يُعدّ القضاء الدستوري من أهم الآليات القانونية التي تضمن سمو الدستور وتكفل احترام أحكامه من قبل مختلف السلطات العامة، لما له من دور محوري في تكريس مبدأ المشروعية الدستورية وحماية الحقوق والحريات الأساسية. وقد ارتبط ظهور هذا القضاء بتطور فكرة دولة القانون، حيث لم يعد الدستور مجرد وثيقة سياسية، بل أصبح قاعدة قانونية ملزمة تعلو على سائر القواعد القانونية.

ويقتضي فهم القضاء الدستوري الوقوف على مفهومه ومدلولاته الفقهية والقانونية، مع بيان طبيعته ووظائفه الأساسية، ولا سيما في مجال الرقابة على دستورية القوانين. كما تستوجب الدراسة التمييز بين صور هذه الرقابة من حيث طبيعتها وتوقيتها والجهات المختصة بممارستها، سواء تعلّق الأمر بالرقابة القضائية أو غيرها من أشكال الرقابة، لما لذلك من أثر مباشر على فعالية حماية الدستور.

وفي إطار التحليل المقارن، تبرز تجارب دستورية مختلفة في تنظيم القضاء الدستوري، من أهمها التجربة الأمريكية التي تقوم على الرقابة القضائية اللامركزية المستندة إلى اجتهادات القضاء العادي، والتجربة الأوروبية التي اعتمدت نموذج الرقابة المركزية من خلال هيئات دستورية مستقلة. ويسمح هذا التنوع في النماذج بإبراز مزايا كل نظام وحدوده، واستخلاص الأسس المشتركة التي يقوم عليها القضاء الدستوري المعاصر.

كما تحظى التجربة الجزائرية في مجال القضاء الدستوري بأهمية خاصة، بالنظر إلى تطورها التاريخي والتحولات الدستورية التي عرفتها، والتي أفرزت آليات جديدة لتعزيز الرقابة على دستورية القوانين وترسيخ مبدأ سمو الدستور. ويُسهم هذا التطور في تدعيم دولة القانون وتكريس حماية الحقوق والحريات، بما يعكس المكانة المتزايدة للقضاء الدستوري داخل النظام الدستوري الجزائري.

ويهدف هذا العرض إلى تقديم رؤية شاملة ومتكاملة للقضاء الدستوري، تجمع بين التأصيل النظري والدراسة المقارنة والتحليل الوطني، بما يبرز دوره الأساسي في تحقيق الاستقرار الدستوري وضمان احترام الشرعية الدستورية